التعريف به::
الإمام أبو محمد، عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله الأزدي الإشبيلي، المالكي، الصوفي.
أولاً: النشأة والتمكن في الحديث
وُلد الإمام عبد الحق الإشبيلي، المعروف بـ ابن الخراط، في إشبيلية بالأندلس. نشأ فيها وتلقى علوم الحديث والفقه المالكي والقراءات على يد كبار شيوخها.
عُرف ابن الخراط بـ إمامته في الحديث، فقد كان متبحراً في الرواية والضبط، وصنف مصنفات عظيمة في جمع الأحاديث المتعلقة بالأحكام. وتُعد هذه المؤلفات دليلاً على ورعه العلمي والشرعي، حيث كان الهدف منها تطبيق الشريعة في أدق تفاصيلها.
أهم إنجازاته:
"الجمع بين الصحيحين": حاول فيه الإشبيلي جمع متون أحاديث البخاري ومسلم في كتاب واحد، ليسهل الاستفادة منها.
"الأحكام الشرعية الكبرى": موسوعة ضخمة في أحاديث الأحكام، رتبها على الأبواب الفقهية.
ثانياً: الزهد والورع والجمع بين الشريعة والسلوك:
لم يكن ابن الخراط مجرد محدث وفقيه، بل كان زاهداً عابداً، وميوله الصوفية كانت واضحة في منهجه:
الزهد عن الدنيا: عُرف عنه الزهد والتقشف، والابتعاد عن مجالس الأمراء والسلاطين، مفضلاً الانقطاع لطلب العلم والعبادة. كان ورعه الشديد يظهر في تدقيقه في الروايات والأحكام.
السلوك والتربية: كان له ميل كبير إلى التصوف السني المعتدل، وكان يرى أن الفقه والحديث هما أساس السلوك. ترك الأندلس بسبب الفتن والاضطرابات، واستقر في بجاية (المغرب الأوسط)، حيث انقطع للتعليم والعبادة. وقد كانت بجاية في ذلك الوقت مركزاً لاجتماع الزهاد والصوفية (كمركز الشيخ أبي مدين).
تخريج المريدين: كان لابن الخراط تلاميذ ومريدون كثيرون، وقد ركز على غرس قيم الورع والتقوى والعبادة في نفوسهم.
ثالثاً: الأثر في المغرب الأوسط:
قضى عبد الحق الإشبيلي السنوات الأخيرة من حياته في بجاية، حيث كان له أثر كبير في نشر المذهب المالكي الملتزم والحديث النبوي، في منطقة أصبحت لاحقاً معقلاً لكبار الصوفية.
الحكمة والقدوة: كانت حياته مثالاً للجمع بين العلم النظري (في الحديث) و التطبيق العملي (في الزهد)، وكان يمثل نموذجاً للقوة في الدين واللين في التعامل.
رابعاً: الوفاة والأثر الدائم:
توفي الإمام عبد الحق الإشبيلي في بجاية سنة 581 هـ.
يُعد ابن الخراط منارة في تاريخ الحديث والفقه المالكي، ومثالاً للمحدث الذي زهد في الدنيا، وكرس حياته لخدمة السنة النبوية، إيماناً منه بأن تطبيق السنة هو قمة الورع والعبادة.
الرئيسة