التعريف به:
الإمام أبو محمد، مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مُختار القيسي، القيرواني، ثم القرطبي، المقرئ.
أولاً: الميلاد والنشأة والرحلات العلمية:
وُلد الإمام مكي بن أبي طالب في القيروان، التي كانت مركزاً علمياً وثقافياً في شمال أفريقيا. بدأ طلب العلم في بلده، ثم رحل رحلات واسعة لطلب القراءات والحديث، شملت:
مكة المكرمة: حيث أقام بها فترة طويلة للتعلم والتدريس، وسمع من كبار المحدثين والمقرئين.
مصر: حيث أخذ القراءات على كبار شيوخها.
بعد رحلاته، استقر في قرطبة بالأندلس، وأصبح شيخ المقرئين والمحدثين بها. كان إماماً في القراءات واللغة والنحو، وفقيهاً مالكياً، ومحدثاً ضابطاً.
ثانياً: الإمامة في القراءات ومكانته العلمية:
يُعد مكي بن أبي طالب من أبرز علماء القراءات في عصره، وقد كان لكتبه دور تأسيسي في هذا العلم:
علم القراءات: كتابه "التبصرة في القراءات السبع" من أهم المراجع التي جمعت القراءات ورتبتها وأصلتها. كان يدعو إلى التيسير في علم القراءات والابتعاد عن التشدد.
علوم القرآن: كانت له مساهمات ضخمة في علوم القرآن كالإعراب والناسخ والمنسوخ وتوجيه القراءات.
كانت دروسه في قرطبة تستقطب الآلاف، وأجمع المؤرخون على إتقانه وذكائه.
ثالثاً: مكي بن أبي طالب والزهد والسلوك:
على الرغم من تخصصه في علوم الآلة والظاهر (كالقراءات والنحو)، إلا أن الإمام مكي كان يتميز بشدة الزهد والورع والخشوع، ولذلك يُعد من الأعلام الذين جمعوا بين العلم والعبادة:
اقتضاء العلم العمل: لعل أهم دليل على منهجه في السلوك هو كتابه "اقتضاء العلم العمل"، وهو كتاب صغير الحجم عظيم النفع، يركز فيه على أن الغرض الأساسي من العلم الشرعي هو تطبيقه في الحياة والعمل به، وأن العالم الذي لا يعمل بعلمه حجة عليه. هذا المنهج هو جوهر السلوك الصوفي المعتدل.
العبادة والتقشف: عُرف عن مكي بن أبي طالب كثرة صيامه وقيامه وشدة تقشفه، وأنه كان مثالاً للزاهد المعرض عن الدنيا رغم إقبالها عليه.
رابعاً: الوفاة والأثر:
توفي الإمام مكي بن أبي طالب في قرطبة سنة 437 هـ، تاركاً خلفه ثروة هائلة من المصنفات في علوم القرآن والقراءات والحديث والزهد.
كان دوره حيوياً في نشر علم القراءات في الأندلس والمغرب، لكن الأهم في سياق قائمتنا هو أنه يمثل النموذج الذي جمع ببراعة بين التخصص الدقيق في علوم الظاهر (كإتقان القراءات والإعراب) والعمق في السلوك الروحي والتأكيد على أهمية العمل بالعلم.