التعريف به:
هو أحد سادات التابعين الكرام قال عنه أبو نعيم: «ومنهم: السليم الأسلم المذكور بالسواد الأعظم، الطوسي أبو الحسن محمد بن أسلم، أحواله مشتهرة مشهورة وشمائله مسطرة مذكورة، كان بالآثار مقتديا، وعن الآراء منتهيا، أعطي بيانًا وبلاغة، وزهدًا وقناعةً، نقض على المخالفين بتبيانه، وأقبل على تصحيح حاله وشانه».
مناقبه ومروياته:
روي عن أحمد بن محمد يوسف، ثنا أبي، قال: قرأت على أبي عبد الله محمد بن القاسم الطوسي خادم بن أسلم قال: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: وذكر في حديث رفعه إلى النبي O قال: «إِنَّ اللهَ لَمْ يَكُنْ لِيَجْمَعَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَى ضَلَالَةٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الِاخْتِلَافَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ ؛ فقال رجل: يا أبا يعقوب. مَنْ السواد الأعظم؟ فقال: محمد بن أسلم وأصحابه ومن تبعه، ثم قال: سأل رجل ابن المبارك؛ فقال: يا أبا عبد الرحمن. من السواد الأعظم ؟ قال أبو حمزة السكوني، ثم قال إسحاق في ذلك الزمان: يعني أبا حمزة، وفي زماننا محمد بن أسلم ومن تبعه، ثم قال إسحاق: لو سألت الجهَّال من السواد الأعظم؟ قالوا: جماعة الناس، ولا يعلمون أن الجماعة عالم متمسك بأثر النبي O، و طريقه، فمن كان معه وتبعه فهو الجماعة، ومن خالفه فيه ترك الجماعة.
وروي عن إسحاق: لم أسمع عالماً منذ خمسين سنة أعلم من محمد بن أسلم، قال أبو عبد الله : وسمعت أبا يعقوب المروزي - ببغداد وقلت له: قد صحبت محمد بن أسلم وصحبت أحمد ابن حنبل، أي الرجلين كان عندك أرجح أو أكبر أو أبصر بالدين؟ فقال: يا أبا عبد الله. لم تقول هذا؟ إذا ذكرت محمد بن أسلم في أربعة أشياء فلا تقرن معه أحدًا: البصر بالدين، واتباع أثر النبي الله في الدنيا، وفصاحة لسانه بالقرآن والنحو، ثم قال لي: نظر أحمد بن حنبل في كتاب الرد على الجهمية الذي وضعه محمد بن أسلم فتعجب منه، ثم قال: يا أبا يعقوب. رأت عيناك مثل محمد ؟ فقلت: يا أبا عبد الله لا يغلظ رأي محمد من أستاذيه ورجاله مثله، فتفكر ساعة، ثم قال: لا. قد رأيتهم وعرفتهم، فلم أر فيهم على صفة محمد بن أسلم.
قال أبو عبد الله وسألت يحيى بن يحيى عن ست مسائل فأفتى فيها، وقد كنت سمعت محمد بن أسلم أفتى فيها بغير ذلك، احتج فيها بحديث النبي ، فأخبرت يحيى بن يحيى بفتيا محمد بن أسلم فيها، فقال: يا بني. أطيعوا أمره وخذوا بقوله فإنه أبصر منا، ألا ترى أنه يحتج بحديث النبي O في كل مسألة ، وليس ذاك عندنا، قال: سمعت شيخًا من أهل مرو – يكنى بأبي عبد الله - قال: صحبت ابن عيينة ووكيعا، وكان صديقا ليحيى بن يحيى وإسحاق بن راهويه، وكان صاحب علم ، فأخبرني. قال: كنت عند يحيى بن يحيى فقال لي: يا أبا عبد الله. قد رأيت محمد بن أسلم وصحبت إسحاق بن راهويه فأي الرجلين أبصر عندك وأرجح؟
فقلت: يا أبا زكريا ما لك إذا ذكرت محمد بن أسلم تذكر معه إسحاق بن راهويه وغيره، قد صحبت وكيعا سنتين وأشهرًا، وصحبت سفيان بن عيينة، ولم أر يومًا واحدًا لهم من الشمائل ما لمحمد بن أسلم، ثم قلت: إنما يُعرف محمد بن أسلم رجل بصير بالعلم، قد عرف الحديث ينظر في شمائل هذا الرجل فيعلم بأي حديث يعمل به هذا الرجل، اليوم غريب في هذا الخلق، لأنه يعمل بما عمل به النبي و أصحابه، وهو عند الناس منكر ؛ لأنهم لم يروا أحدا يعمل به، فلا يعرفه إلا بصير، فقال يحيى بن يحيى: صدقت، هو كما تقول، فمن مثله اليوم؟
قال: وسمعت إسحاق بن راهويه ذات يوم روي في ترجيع الأذان أحاديث كثيرة، ثم روی حديث عبد الله بن زيد الأنصاري، وقد أمر محمد بن أسلم الناس بالترجيع فقلتم هذا مبتدع، عامة أهل هذه الكورة غوغاء، ثم قال: احذورا الغوغاء، فإن الأنبياء قتلتهم الغوغاء، فلما كان الليل دخلت عليه، فقلت له: يا أبا يعقوب. حدثت هذه الأحاديث كلها في الترجيع، فما لك لا تأمن مؤذنك؟ قال: يا مغفل، ألم تسمع ما قلت في الغوغاء؛ لأنهم هم الذين قتلوا الأنبياء، فأما أمر محمد بن أسلم فإنه يتمادى كلما أخذ في شيء تم له، ونحن عنده نملأ بطونا لا يتم لنا أمر نأخذ فيه، نحن عند محمد بن أسلم مثل السراق.
قال أبو عبد الله: وكتب إلى أحمد بن نصر : أن اكتب إليَّ بحال محمد بن أسلم، فإنه ركن من أركان الإسلام قال وأخبرني محمد بن مطرف وكان رحل إلى صدقة الماوردي، قال: قلت لصدقة: ما تقول في رجل يقول القرآن مخلوق؟ فقال: لا أدري فقلت: إن محمد بن أسلم قد وضع فيه كتابًا، قال: هو معكم ؟ قلت نعم قال: ائتني به فأتيته به فلما كان من الغد، قال لنا: وَيُحكُم، كنا نظن أن صاحبكم هذا صبي، فلما نظرت إليه إذا هو قد فاق أصحابنا، قد كنت قبل اليوم لو ضربت سوطين لقلت القرآن مخلوق، فأما اليوم فلو ضرب عنقي لم أقله، قال: وكنت جالسًا عند أحمد بن نصر بنيسابور بعد ما مات محمد بن أسلم بيوم، فدخلت عليه جماعة من الناس فيهم أصحاب الحديث مشايخ وشباب، وقالوا: جئنا من عند أبي النصر، وهو يقرئك السلام، ويقول: ينبغي لنا أن نجتمع فنعزي بعضنا بموت هذا الرجل الذي لم نعرف من عهد عمر بن عبد العزيز رجلا مثله.
وقيل لأحمد بن نصر : يا أبا عبد الله صلَّى عليه ألف ألف من الناس، وقال بعضهم: ألف ومائة ألف من الناس، يقول صالحهم وطالحهم : لم نعرف لهذا الرجل نظيرا؛ فقال أحمد ابن نصر : يا قوم. أصلحوا سرائركم بينكم وبين الله ألا ترون رجلًا دخل بيته بطوس فأصلح سره بينه وبين الله ثم نقله الله إلينا فأصلح الله على يديه ألف ألف ومائة ألف من الناس.
قال أبو عبد الله: ودخلت على محمد بن أسلم قبل موته بأربعة أيام بنيسابور؛ فقال: يا أبا عبد الله تعال أبشرك بما صنع الله بأخيك من الخير، قد نزل بي الموت، وقد مَنَّ الله عليَّ أن ليس عندي درهم يحاسبني الله عليه، وقد علم الله ضعفي وأني لا أطيق الحساب، فلم يدع عندي شيئًا يحاسبني به الله، ثم قال اغلق الباب ولا تأذن لأحد عليَّ حتى أموت وتدفنون كتبي، واعلم أني أخرج من الدنيا وليس أدع ميرانا غير كتبي وكسائي ولبدي وإنائي الذي أتوضأ منه هذه، فلا تكلفوا الناس مؤنة، وكانت معه صرة فيها نحو ثلاثين در هما؛ فقال: هذا لابني أهداه إليه قريب له، ولا أعلم شيئًا أحل لي منه ؛ لأن النبي ﷺ قال: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبيكَ»