نسخة تجريبيـــــــة
شيخ الإسلام وشيخ الجامع الأزهر الشيخ عبد الحليم محمود

«إن عظماء الرجال لا يتركون هذا العالم إلا وقد تركوا أثرًا لا ينمحي أبد الدهر»

 الاسم والنسب:

 عبد الحليم محمود، وينتهي نسبه إلى سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنهما.

 المولد والنشأة:

* وُلد الشيخ عبد الحليم محمود في قرية «أبو أحمد» من قرى مدينة «بلبيس»، بمحافظة الشرقية، في الثاني من جمادى الأولى، سنة 1328هـ، الموافق الثاني عشر من مايو سنة 1910م، والقرية منسوبة إلى جده (أبي أحمد) الذي أنشأ القريةَ وأصلحها، وتُسمَّى الآن باسم (السلام).

* نشأ الشيخ الإمام في أسرة كريمةشريفة ميسورة، مشهورة بالصلاح والتقوى، وكان والده - رحمه الله - صاحب دينٍ وخلقٍ وعلم، ذا همةٍ عاليةٍ وثقافة، وكان ممن شغفوا بالثقافة الدينية وحلقات الأزهر العلمية، فدرس في الأزهر فترة طويلة، حضر فيها على كبار الأساتذة آنذاك، منهم: الشيخ محمد عبده، مما كان له الأثر في توجيه ابنه للدراسة بالأزهر.

مسيرته العلمية:

* حفظ الشيخ القرآن الكريم في سِنٍّ مبكرة، مِمَّا أثار إعجاب مُحفِّظه وأهل قريته.

* دخل الشيخ عبد الحليم الأزهر سنة 1923م، وظل به عامين ينتقل بين حلقاته، حتى تم افتتاح معهد (الزقازيق) سنة 1925م، فألحقه والده به؛ لقربه من قريته، ثم التحق بعدها بمعهد المعلمين المسائي، فجمع بين الدراستين، ونجح في المعهدين، ثم عُيِّن مُدَرِّسًا، ولكن والده آثر أن يكمل الشيخ عبد الحليم دراسته.

* تقدم الشيخ لامتحان إتمام الشهادة الثانوية الأزهرية فنالها عام 1928م في سنة واحدة؛ حيث يقول هو عن ذلك: «فلما نقلت إلى السنة الأولى من القسم الثانوي، رأيت أن الوقت فيها بالنسبة لي ضائع أو شبه ضائع؛ لأن ما لدي من علوم ومعرفة تتخطى حدود المقرارات في هذه السنة وما يليها ... وكانت نُظُم الأزهر –حينذاك - تبيح للطالب بالسنة الأولى الثانوية، أن يتقدم مباشرة لامتحان الشهادة الثانوية الأزهرية من الخارج ... ونجحت وأرضى ذلك آمال والدي وشعوره نحوي، والحمد لله».

* استكمل الشيخ الإمام دراسته العليا، فنال العَالِمية سنة 1932م.

* السفر إلى فرنسا:

كان والده –عليه رحمة الله - يحب أن يرى ابنه الشيخ عبد الحليم مُدَرِّسًا بالأزهر؛ لكنه فوجئ برغبة الشيخ المُلِحَّة في السفر إلى فرنسا؛ لإتمام الدراسة في جامعاتها، وذلك على نفقته الخاصة، وأخذ يحاول أن يثني الشيخ عن رأيه بشتى الوسائل، ولكن محاولاته لم تفلح.

وآثر الشيخُ عبد الحليم أن يَدْرس تاريخَ الأديان والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس.

 * وفي سنة 1938م التحق بالبعثة الأزهرية، التي كانت تَدْرس هناك، وقد تم له النجاح فيما اختاره من علومٍ لعمل دراسة الدكتوراه.

 في البداية فكر الشيخ رحمه الله أن تكون رسالته في مجال يتصل بـ «فن الجمال» لكنه رفض الموضوع، ففكر ثانيًا في أن تكون في مجال يتصل بـ «مناهج البحث» فرفض أيضًا، وبعد تجارِب هنا وهناك في مجالات مختلفة من الموضوعات، وبعد تردد في هذا الموضوع أو ذاك، هداه الله إلى موضوع «التصوف الإسلامي» ولم يكن هذا مصادفة، وإنما هي الهداية والتوفيق من الله سبحانه وتعالى، وكان موضوعها: «أستاذ السائرين: الحارث بن أسد المحاسبي»، وفي أثناء إعداد الرسالة قامت الحرب العالمية الثانية في سبتمبر سنة 1939م، وآثر كثير من زملائه العودة، ولكنه بالإيمان القوي والعزيمة الصلبة أصرَّ على إتمام الرسالة، وكان له ما أراد.

* نال درجة «الدكتوراه» بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى، وقررت الجامعة طبعها بالفرنسية يوم 8 من يونيه سنة 1940م .

 مسيرة الشيخ العملية:

* بدأ الشيخ الإمام حياته العملية مُدَرِّسًا لعلم النفس بكلية اللغة العربية، ثم نقل أستاذًا للفلسفة بكلية «أصول الدين» سنة 1951م، ثم عميدًا للكلية سنة 1964م، وعين عضوًا بمَجمع البحوث الإسلامية، ثم أمينًا عامًّا له، وبدأ عمله بدراسة أهداف المَجمع، وكوَّن الجهاز الفني والإداري من خيار موظفي الأزهر، ونظَّمه خيرَ تنظيم، وأنشأ المكتبةَ به على أعلى مستوًى من الجودة، وبعدها أقنع المسئولين في الدولة بتخصيص قطعة أرض بحي «مدينة نصر» لتخصيصها للمَجمع؛ لتضم جميع أجهزته العلمية والإدارية، إلى جانب قاعات فسيحة للاجتماعات؛ فكان هو أولَ من وضع لبنات مجمع البحوث الإسلامية، كما اهتم بتنظيمه، وواصل الشيخ عبد الحليم محمود اهتمامه بالمجمع بعد تعيينه وكيلًا للأزهر، ثم وزيرًا للأوقاف وشئون الأزهر، ثم شيخًا للأزهر.

 في سنة 1970م صدر قرار جمهوري بتعيينه وكيلًا للأزهر؛ فازدادت أعباؤه، واتسعت مجالات جهوده، فراعى النهضة المباركة في مجمع البحوث، وبدأ يلقي محاضراته في كلية أصول الدين، ومعهد الدراسات العربية والإسلامية، ومعهد تدريب الأئمة، إلى جانب محاضراته العامة في الجمعيات والأندية الكبرى، بالقاهرة وغيرها من الأقاليم، وكان مع هذا كله يوالي كتابة الدراسات والمقالات في كبرى المجلات الإسلامية، ويواصل الدراسات ويصنف المؤلفات القيِّمة، ويشرف على رسائل الدكتوراه، ويشارك في المؤتمرات والندوات العلمية، وامتد نشاطه إلى العالم الإسلامي كله بنفس الهمة والنشاط.

 قال عن شيوخه:

- الإمام الأكبر: محمود شلتوت:

عالم ، مفكر، قوي الحجة، متحدث لبق.

- الشيخ حامد محيسن:

 عالم ، مستقل التفكير، لا يعرف التقليد في رأي، ولا يسوق الرأيَ دون برهان.

- الشيخ سليمان نوار:

أديب، طاهر القلب، له ذوق في البلاغة راق.

- الدكتورمحمد عبد الله دراز:

يمثل الاتزان المتزن، والخلق الكريم، ثَقَّف نفسه كأحسن ما تكون الثقافة، آراؤه موفقة، يتدفق في البيان عذبًا شهيًّا لا يمل.

- الشيخ محمد عبد اللطيف دراز:

ثائر مناضل، خطيب ممتاز، لا يسأم من مساعدة الآخرين، ولا يتوانى عن السعي في مصالح الضعفاء، حديثه ممتع، وفي أسلوبه عذوبة.

- الشيخ الزنكلوني:

على قمة اللامعين من رجال الأزهر، عالم من كبار العلماء، فيه جرأة نادرة، وله في الثورات سهم، وله في المشاورات السياسية سهم كذلك، أما في النضال العلمي فله أسهم مرموقة، وكان يعتبر نفسه أبًا لكل من سَمَتْ به آمالُه، وارتفع به طموحُه عن مرتبة الإمعون، يأخذ بيده، ويعاونه، ويدفع عنه مكر الماكرين.

- الإمام الأكبر: الشيخ محمد مصطفى المراغي:

عالِم، ذكي، ذو شخصية جارفة، مهيب، صاحب رأي في العلم، وصاحب رأي في السياسة، بليغ الأسلوب، أما صوته في الخطابة وفي الدرس، فإنه نغمةٌ موسيقية عذبة، ولعل الإذاعة تتنبه إلى ذلك فتعيد إذاعة ما عندها من خطبه وأحاديثه، بين الحين والحين، لينعم الناس بنعمة جميلة، ويستفيدوا علمًا غزيرًا.

- الإمام الأكبر: الشيخ مصطفى عبد الرزاق:

عالم ، فيلسوف، حيي، حليم، كريم بماله ووقته لطلبة العلم، خرَّج جيلًا من النابهين في الجامعة، وأسهم في الحركة العلمية بجهود عظيمة؛ ألَّف، وحاضر، وكتب المقالات، ووجَّه تلاميذه إلى التحقيق، والتأليف، والترجمة، وفتح مكتبته الغنية بشتى الكتب، ونوادرها، لكل طالب علم مجدّ.

 مؤلفاته:

 اتسم الإمام الأكبر بغزارة إنتاجه الفكري الذي يربو على مائة كتاب، تأليفًا وتحقيقًا وترجمة، وكان أول ما نُشر له: قصة ترجمها عن الفرنسية، من تأليف أندريه موروا، عام 1365هـ - 1946م، ثم تتابعت مؤلفاته الغزيرة في كثير من المجالات، وبخاصَّة في مجال «التصوف» الذي يُعَدُّ من أسبق رواده في العصر الحديث، فقد تبدى مثالًا للصوفية المُقَيَّدةِ بكتاب الله، البعيدة عن الإفراط والتفريط، حتى لُقِّبَ بـ«غزالي مصر»، و«أبي المتصوفين»، فكانت كتاباته الصوفية لها الحظ الأوفر من مؤلفاته؛ فكَتَبَ «قضية التصوف: المنقذ من الضلال» والذي عرض فيه لنشأة التصوف، وعلاقته بالمعرفة وبالشريعة، وتعرض بالشرح والتحليل لمنهج الإمام الغزالي في التصوف، كما ترجم لعشرات الأعلام الصوفيين، مثل: سفيان الثوري، وأبي الحسن الشاذلي، وأبي مدين الغوث ... وغيرهم الكثير.

 كما كتب في الفلسفة الإسلامية، ويعد كتابه: «التفكير الفلسفي في الإسلام» من أهم المراجع التي تتناول علم الفلسفة من منظور إسلامي؛ حيث يؤرخ فيه للفكر الفلسفي في الإسلام، ويستعرض التيارات المذهبية المتعددة فيه؛ ليبين أصالة الفلسفة الإسلامية، وسَبْقَها الفلسفة الغربية في كثير من طرق التفكير.

 كما تعرَّض للغزو الفكري والتيارات المعادية للإسلام في عدة كتب، مثل: «الغزو الفكري والتيارات المعادية للإسلام» و«فتاوى عن الشيوعية».

 كما ظهر اهتمامه بالسنة النبوية فكتب العديد من الكتب عن الرسولصلى الله عليه وسلم وسنته، ويعد كتابه «السنة في مكانتها وتاريخها» من أهم كتبه في هذا المجال، كما كتب عن دلائل النبوة ومعجزات الرسول صلى الله عليه وسلم.

 واستعرض الإمام سيرته الذاتية في كتابه «الحمد لله، هذه حياتي» والذي جاء خلاصة لأفكاره ومنهجه في الإصلاح أكثرَ منه استعراضًا لمسيرة حياته، وعَبَّر عن منهجه التفصيلي في الإصلاح في كتابه القيم: «منهج الإصلاح الإسلامي في المجتمع».

 كما قام بتحقيق الكثير من أمهات الكتب مثل: «لطائف المنن» لابن عطاء الله السكندري، و«اللمع» لأبي نصر السراج الطوسي، و«المنقذ من الضلال» لحجة الإسلام الغزالي ... وغيرها.

 وترجم العديد من الكتب في الفلسفة اليونانية والأخلاق، مثل: «الفلسفة اليونانية أصولها وتطورها» لألبير ريفو، و«الأخلاق في الفلسفة الحديثة» لأندريه كريسون.

 مشيخة الأزهر:

تولى الشيخ عبد الحليم محمود مشيخة الأزهر في ظروف بالغة الحرج، وذلك بعد مرور أكثر من 10 سنوات على صدورقانون الأزهر سنة1961م الذي توسع في التعليم المدني ومعاهده العليا، وألغى جماعة كبار العلماء،وقلص سلطات شيخ الأزهر، وغلّ يده في إدارة شئونه، وأعطاها لوزير الأوقافوشئون الأزهر، فقد صدر قرار تعيين الشيخ الإمام عبد الحليم محمود شَيْخًا للأزهر في 27 من مارس عام 1973م،  وقد باشر فيه السعي لتحقيق أهدافه العلمية السامية، التي بدأها وهو أستاذ بكلية أصول الدين، ثم وهو أمين عام لمجمع البحوث الإسلامية، ثم وهو وكيل للأزهر، ثم وهو وزير للأوقاف وشئون الأزهر.

* تولى الشيخ عبد الحليم محمودمشيخة الأزهر في وقت اشتدت فيه الحاجة لإقامة قاعدة عريضة من المعاهدالدينية التي تقلص عددها وعجزت عن إمداد جامعة الأزهر بكلياتها العشرينبأعداد كافية من الطلاب، وهو الأمر الذي جعل جامعة الأزهر تستقبل أعداداكبيرة من حملة الثانوية العامة بالمدارس، وهم لا يتزودون بثقافة دينيةوعربية تؤهلهم أن يكونوا حماة الإسلام.

وأدرك الشيخ خطورة هذا الموقففجاب القرى والمدن يدعو الناس للتبرع لإنشاء المعاهد الدينية، فلبى الناسدعوته وأقبلوا عليه متبرعين، ولم تكن ميزانية الأزهر تسمح بتحقيق آمالالشيخ في التوسع في التعليم الأزهري، فكفاه الناس مئونة ذلك، وكان لصلاتهالعميقة بالحكام وذوي النفوذ والتأثير وثقة الناس فيه أثر في تحقيق ما يصبوإليه، فزادت المعاهد في عهده على نحو لم يعرفه الأزهر من قبل.

* صدر قرار جمهوري كان قد استصدره وزير شئون الأزهر، كاد يسلب به من الشيخ كل سلطةٍ، ويجرِّده من البقية الباقية من نفوذه، فغضب الشيخ الإمام عبد الحليم محمود، لا لنفسه، وإنما غضب للأزهر، ولمكانة شيخه التي اهتزت، واهتز باهتزازها مقام الأزهر في مصر وفي العالم العربي، بل في العالم الإسلامي كله، فلم يجد الإمامُ بُدًّا من تقديم استقالته في 16 من يوليو سنة 1974م، ثم شفعها بخطاب آخر، قدَّمه إلى السيد رئيس الجمهورية، شَارِحًا فيه موقفه، وأن الأمر لا يتعلق بشخصه، وإنما يتعلق بالأزهر وقيادته الروحية للعالم الإسلامي كلِّه، مبيِّنًا أن القرار الجمهوري السابق يغُضُّ من هذه القيادة ويعوقُها عن أداء رسالتها الروحية في مصر وسائر الأقطار العربية والإسلامية، وقبل هذا أخطَرَ وكيلَ الأزهر بموقفه؛ ليتحمل مسؤوليته حتى يتم تعيين شيخ آخر.

 ورُوجع الإمام في أمر استقالته، وتوسط لديه الوسطاء فأصرَّ عليها كل الإصرار؛ لأن الموقف ليس موقف انتقاص من حقوقه الشخصية، وإنما هو انتقاص لحقوق الأزهر، وهضم لمكانة شيخه،ولو كان الأمر يتعلق بحقوق الإمام عبد الحليم محمود لتساهل فيه؛ لأنه صديق قديم لوزير شئون الأزهر؛ ولأنه بفطرته زاهد في المناصب، عازف عن المظاهر، منصرف عن متاع الحياة الزائل وزخرفها الباطل، مؤمن كل الإيمان بأن الباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابًا وخير أملًا، فأَصَرَّ على تقديم استقالته، وامتنع عن الذهاب إلى مكتبه، ورفض تناول مرتبه، وطلب تسوية معاشه، ووجه إلى وكيل الأزهر -وقتها- الدكتور محمد عبد الرحمن بيصار خطابًا يطلب منه أن يُصرِّف أمور مشيخة الأزهر حتى يتمَّ تعيين شيخ جديد.

 وأحدثت الاستقالة آثارها العميقة في مصر وفي سائر الأقطار الإسلامية، وتقدم كثيرون من ذوي المكانة في الداخل والخارج يُلحِّون على الإمام راجين منه البقاء في منصبه، لكنه أبى، ولم يعُدلمنصبه إلا بعد إلغاءالقرار وصدور اللائحةالتنفيذية التيتخوِّل للأزهر شئونه.

 التصوف في حياته:

يقول الإمام عبد الحليم عن نفسه بعد إعداده رسالة الدكتوراه: «بعد تردد بين هذا الموضوع أو ذاك، هداني الله - وله الحمد والمنة - إلى موضوع التصوف الإسلامي، فأعددت رسالةً عن (الحارث بن أسد المحاسبي) فوجدت في جوِّ (الحارث بن أسد المحاسبي) الهدوءَ النفسي، والطمأنينة الروحية، هدوء اليقين، وطمأنينة الثقة، لقد ألقى بنفسه في معترك المشاكل، التي يثيرها المبتدعون والمنحرفون، وأخذ يصارع مناقشًا مجادلًا، وهاديًا مرشدًا؛ وانتهيت من دراسة الدكتوراه، وأنا أشعر شعورًا واضحًا بمنهج المسلم في الحياة، وهو منهج الاتباع. لقد كفانا الله ورسوله كل ما أهمنا من أمر الدين، وبعد أن قرَّ هذا المنهج في شعوري، واستيقنته نفسي، أخذتُ أدعو إليه كاتبًا ومحاضرًا، ومدرسًا، ثم أخرجت فيه كتاب «التوحيد الخالص» وما فرحت بظهور كتاب من كتبي، مثل فرحي يوم ظهر هذا الكتاب؛ لأنه خلاصة تجربتي في الحياة الفكرية».

لم يكن تصوفه هروبًا من الحياة؛ بل كان علاجًا لمعضلاتها، لقد كان الشيخ عبد الحليم لا يفارق الناس إلا عند نومه، فهو يزور ويرحل، ويجتمع ويناقش، ويدفع إلى الخير، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر. والفرق بينه وبين سواه من النظريين، أنه يصدر عن يقين، وينفعل عن عقيدة، وينصح عن إدراك، وقد فهم رسالة المسلم في الحياة، فهم أنه خليفة في الأرض.

لقد اهتدى الإمام بعد عناء طويل في رحلته الفكرية إلى أن القلب موضع إقناع المؤمن، فالمؤمن لا يتطلب تغلغل العقل كي يقتنع، ولكنه يلتمس ماء الهداية كي يرتوي!

قال عن التصوف:

* «إنه نظام الصفوة المختارة، إنه نظام هؤلاء الذين وهبهم الله حسًّا مرهفًا، وذكاءً حادًّا، وفطرة روحانية، وصفاء يكاد يقرب من صفاء الملائكة، وطبيعة تكاد تكون مخلوقة من نور»                            

* من هو الصوفي في رأي الإمام؟

قال الإمام: «الصوفي هو الذي التزم بتعاليم الإسلام سيرةً وسلوكًا، وقولًا وعملًا، وهو الذي يستحضر ذكر ربه في كل وقت؛ فإذا وصل المؤمن إلى إسلام حقيقي يجعله مستحضرًا ربه في كل وقت فلن يهتم بمعصيته، ولن يأمر بمنكر، ولن ينهى عن معروف».

وقال أيضًا:

«فالصوفي لا يكون صوفيًّا بالقراءة أو الدراسة والبحث، حتى ولو كانت هذه القراءة والدراسة في الكتب الصوفيَّة نفسها، وفي المجال الصوفي خاصَّة، وقد يكون شخص من أعلم الناس بهذه الكتب، درسها دراسة باحث متأمل، وعرف قديمها وحديثها، وميز بين الزائف منها والصحيح، وصنفها زمنًا وميزها أمكنة، وهو مع ذلك لا سهم له، في قليل ولا في كثير في المجالات الصوفية».

وقال في موضع آخر:

«فالتصوف ليس ثمرة لثقافة كسبيَّة؛ إن الوسيلة إليه ليست هي الثقافة، ولكن الوسيلة إليه إنما هي العمل، إن الطريق إليه إنما هو السلوك، والمعرفة الناشئة عن العمل والسلوك هي إلهام، وهي كشف، وهي ملأ أعلى انعكس على البصيرة المجلوَّة فتذوقه الشخص حالًا، وأحس به ذوقًا، وأدركه إلهامًا وكشفًا».

 * من كرامات الإمام:

يقول الشيخ - رضي الله عنه - عن نفسه أثناء ترجمته لسيدي أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه:

 «أنا في غير كبرياء ولا فخر، من الذين لا تلعب بهم الأوهام ولا التخيلات، ولم أكن في يوم من الأيام فريسة أباطيل وخرافات، وقد باعد الله تعالى - وله الفضل والمنة - بيني وبين التأثر بالإيحاء والوهم».

أما الكرامة الأولى فقد قال عنها الشيخ: «في فترة من الفترات ابتلاني الله بموضوع شقَّ على نفسي، وعلى نفس المحيطين بي، واستمر الابتلاء فترة كنا نلجأ فيها إلى الله، طالبين الفرج، وذات يوم أتى عندي بعض الصالحين، وكان على علم بهذا الابتلاء، وأعطاني ورقةً كُتِبَتْ فيها صيغةٌ من صيغ الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: اقرأها، واستغرقْ فيها وكرِّرْها منفردًا بالليل؛ لعل الله يجعلها سببًا في تفريج هذا البلاء؛ فاعتكفت في غرفة بعد صلاة العشاء، وأضأت نور الغرفة، وأمسكت الورقة بيدي وأخذت في تكرار الصيغة، واستغرقتُ فيها وإذ بي أرى فجأة أن الحروف التي كتبت بها الصيغة مضيئة تتلألأ نورًا، ومع أن الغرفة كانت مضيئة فإن الحروف كانت تتلألأ نورًا وسط هذا النور، ولم أصدق عيني، فوضعت الورقة أمامي، ووضعت يدي على عيني أدلكهما وأدعكهما، ثم فتحت عيني، فإذا بالحروف على ما هي عليه، تتلألأ نورًا، وتشع سناءً، فحمدت الله وعلمت أن أبواب الرحمة قد فتحت وأن هذا النور رمز لذلك، وفعلًا أزال الله الكرب، وحقق الفرج بكرامة هذه الصيغة المباركة».

هذه هي الكرامة الأولى، أما الكرامة الثانية فقد قال عنها الإمام الأكبر:

«في ذات صباح كنت جالسًا في المجلس، في غرفة الكتب كعادتي، وكنت في تلك اللحظة مطأطئ الرأس، ثم رفعت رأسي ناظرًا أمامي، وإذ بي أجد أمامي إنسانًا، فأخذت في تأمله دون أن أشعر قط بخوف أو فزع، كان طويلًا أقرب إلى النحافة منه إلى السمنة يميل لونه إلى السمرة، وعلى رأسه شال أبيض مما يسميه الحجازيون (الغترة) وكان في وقفته منحنيًا قليلًا، وقد تأملت ملابسه أيضًا في تفاصيلها وشكلها، لم يتحدث معي ولم أتحدث إليه وبعد فترة ونحن على هذا الوضع أنظر إليه في تحديق وينظر إلي نظرات ثابتة، أخذ يشف شيئًا فشيئا، وأنا ألاحظ في وضوح هذا التدرج في الشفافية وانتهت الشفافية بزواله تمامًا دون أن يتحرك من موضعه؛ ذلك ما شاهدته بنفسي».

 أثره في المجتمع:

أفلح الشيخ رحمه الله في تكوين مجتمع يستشعر وجود الله في كل وقت، المجتمع البريء من الذنب، المتطلع إلى الخير، البعيد عن التنازل والتضاد، وإذا جاهد الشيخ في سبيل إنشاء هذا المجتمع ، فما أعظم ما جاهد في سبيل الإصلاح.

* حارب الشيخ في عدة جهات من أجل إقامة المجتمع السويِّ، فقد حارب (الوجودية)، حين هبت فئة تدعو إليها.

* وصمد الإمام أمام (الماركسية) صمود الفارس الصنديد، فأخذ يزيل الغشاء الخادع عن الماركسية الحاقدة، ليراها الناس في وجهها الكالح البسيط.

* وطالب الإمامُ بالشريعة الإسلامية تطبيقًا والتزامًا، وقد سارع رحمه الله فألف لجنة علميَّة لصياغة قوانين الشريعة في مواد محددة؛ لتسهل مهمة التطبيق، وأخذ يتصل بأعضاء مجلس الشعب ليحدث تكتلًا إسلاميًّا ينادي بتطبيق الشريعة.

المؤتمرات والملتقيات والرحلات:

* سافر الشيخ إلى العراق بدعوة من حكومتها؛ لتنظيم وزارة الأوقاف العراقية، وتنظيم المؤسسات الدينيَّة بها، ووضع تقريرًا مفصلًا عن وجوه الإصلاح فيها، ومكث في مهمته شهرًا.

 * تمثيله للأزهر في مهرجان الإمام الغزالي الذي عقد بدمشق سنة 1961م.

  - سافر إلى باكستان أستاذًا زائرًا بدعوة من وزير الأوقاف والشئون الإسلامية.

  - سافر إلى ماليزيا أستاذًا زائرًا للمركز الإسلامي لإلقاء محاضرات دينية وتنظيم شئون المسلمين بها.

 - سافر إلى قطر بدعوة من حكومتها ووضع قواعد بناء التعليم الديني وألقى كثيرًا من المحاضرات بها.

 - سافر إلى الكويت بدعوة من حكومتها لإلقاء محاضرات دينية في شهر رمضان المعظم.

 - سافر إلى دولة الإمارات العربية بدعوة من حكومتها لافتتاح الموسم الثقافي لعام 1974م، وإلقاء المحاضرات الدينية بها.

 - سافر إلى ماليزيا بدعوة من حكومتها سنة 1974م لحضور إشهار عدد كبير من المواطنين الماليزيين إسلامهم بلغ تعدادهم أربعة آلاف مواطن.

  - مشاركته في مؤتمر السيرة النبوية بباكستان في فبراير سنة 1976م.

 - سافر إلى لندن لحضور مهرجان العالم الإسلامي في 30 من مارس سنة 1976م.

 - سافر إلى مكة المكرمة لحضور مؤتمر رسالة المسجد، في 16 من أبريل سنة 1976م.

  - استجابته لدعوة الأمين العام للمؤتمر الاقتصادي الإسلامي المنعقد في لندن، في الفترة من 30 من يونيه إلى 16 من يوليو سنة 1977م، وقد التقى فضيلته بكثير من علماء اللاهوت، وأساتذة مقارنة الأديان بالجامعات الإنجليزية، وبمشاهير علماء الاقتصاد، وتقدم بمقترحات مهمَّة لوضع أسس متينة مقتبسة من الإسلام تتيح نهضة اقتصادية كبرى للشعوب الإسلامية.

قالوا عن الإمام:

الأستاذ الدكتور/ منيع عبد الحليم محمود

* الإمام الأكبر عبد الحليم محمود: اسم عظيم لرجل عظيم، رجل شرَّف الإسلام كواحد من أبنائه وعالم من علمائه.

* عاش حياته مخبتًا أوَّابًا، وكان يحمل كل خصائص العلماء الذين كتب لهم أن يكونوا للناس قدوة دائمة وروَّادًا، وكان إمامًا للمتقين.

* كان كالأنفاس الطاهرة الهادئة، والنسمات الوادعة في صمته وصوته وجميع سمته كان عظيم الصدق مع ربه ومع نفسه، وكان شجاعًا في اختيار طريقه، وفي السير على هذا الطريق .

* لم تكن له شخصيتان؛ بل شخصية واحدة، اتسقت اتساقًا باهرًا مع نور الشريعة والحقيقة معًا، وكان يذكر - كلما ذكر: الإخلاص والطهر والتقى.

* كان عالمًا حكيمًا، يدرس الوضع بدقة وإمعان، ويفكر في القضايا والمشكلات تفكيرًا جديًّا وسليمًا، ويبحث لها عن حلول في صمت، ويبدي رأيه في أوانه؛ لذلك استطاع أن يحفظ مكانة الأزهر ويُبقِي كرامته.

* لقد كان أمة في ذاته؛ فإذا جلس في مكان تحول ذلك المكان إلى مسجد ومدرسة، وكان الناس يؤمونه من الجهات البعيدة؛ ليستفيدوا منه العلم والدين والربانيَّة.

* لقد قام شيخ الأزهر الإمام عبد الحليم محمود رضي الله عنه بجلائل الأعمال؛ وأجل من كل شيء - فيما أرى - هو صموده في وجه أي ظلم وطغيان، ورفضه بيع الضمير.

إنه ثبت على عقيدته وإيمانه كالجبل الراسي، وألح على الحفاظ على مكانته عند الله وعند الناس ولقد قام بإعادة اعتبار الأزهر ومكانته إلى النفوس، وأزال جميع العوائق والعراقيل التي وضعت في طريقه، وفتح باب الأزهر على مصراعيه للوافدين من طلاب العلم والدين؛ فعاد الأزهر من جديد إلى مكانة القيادة العلمية والتربوية في العالم الإسلامي

* ويعد الإمام الأكبر عبد الحليم محمود صاحب ورائد مدرسة الفكر الإسلامي والتصوف في العصر الحديث، ولقب بـ(أبي التصوف) في العصر الراهن.

* والإمام الأكبر عبد الحليم محمود رضي الله عنه له عمق وغزارة في الآراء الفقهية، ودقة الاجتهادات؛ مما جعله يكسب صفوف المعارضين قبل المؤيدين، إلى جانب اللباقة والدراية الكاملة في عرض أي موضوعٍ ومسألةٍ تتعلق بأمور الدين.

فلهذا اكتسب هذا العالم الجليل احترام كل الفرق والمذاهب الإسلامية في شتى بقاع العالم، وسيبقى هذا العالم وتراثه في قلوبنا على مر العصور.

* ثم كان من أمر الشيخ عبد الحليم رضي الله أن أصبح هو الفضيل بن عياض، وهو الإمام الغزالي، وهو الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي، حتى وصل به الأمر أن امتزج امتزاجًا كاملًا بالمدرسة الشاذلية فكان قطبها، ولقب بأبي الحسن الشاذلي القرن العشرين.

و لقب أيضًا بـ (أبي العارفين) فلقد كان إليه - رضي الله عنه - المرجع والفتيا وريادة الفكر الإسلامي والتصوف في العصر الحديث.

الأستاذ الدكتور/ محمد رجب البيومي:

* لا يفارقك - وأنت في مجلس الإمام عبد الحليم محمود -إحساسُك أنك مع إنسان يعرف ربَّه، وأنه بهذه المعرفة الحقيقية قد ارتفع إلى مستوى وضيء، فأنت معه في مكان واحد، ولكن شعورك يدعوك إلى أن ترى أنه في السماء، وأنك في الأرض، هيبته تملأ مشاعرك، وتواضعه يزيده لألاء، ويزيدك إجلالًا للعارفين بالله، فتحاول أن تسمع منه ليعطيك، مفضِّلًا مأثرة السكوت الناطق أمام وجهٍ مضيء الملامح، طاهر القسمات، تنطق أساريره المؤمنة بمعان لا تعرفها الأرض؛ لأن بوارقها الفاتنة تلوح في الأفق الأعلى كما تلوح أشعة الشمس وضياء القمر، ومن الإنسان ما يتألق ويشع ويضيء، مثل: محمد عبده، وعبد الحليم محمود.

* «الله حق والموت حق» كانت هاتان الجملتان آخر ما نطق به الإمام الأكبر في حياته، ثم ارتقى الى الملأ الأعلى، تاركًا وراءه سجل أعماله مشرق الصفحات، ولعمري، لكأنَّ الله عز وجل ألهمه أن ينطق بهاتين الجملتين إلهامًا صادقًا؛ لأنهما في نظر الدارس المتأمل مفتاح شخصيته، الذي يكشف خباياها دون خفاء، والذي يفسر مواقفه المختلفة، ما اتضح منها بارزًا للعيان، وما احتاج في اتضاحه إلى علاج صبور. «الله حق» هذا قول كان يجد تطبيقه العملي في كل ما قام به الرجل من أعمال؛ إذ أنه كان يسهر اليل ويكد النهار، ويصالح الخصوم وينصف المتنازعين، ويسعى في جنبات الأرض يقرأ صحائف العلم، ويفعل ذلك كله وفي ذهنه معنًى واضح يهتف به: أن الله تعالى حق، فيجب إذًا أن يتقيد بالحق فيما يزاول من عمل وقول؛ لأنه يصدر عن أمر ربه، ويجب إذًا أن ينأى عن الباطل؛ لأن ربه عن الباطل قد نهاه؛ و«الموت حق» قول آخر، كان يجد تطبيقه العملي في نفس الرجل، فهو بصوفيته الشفيفة، يدرك تمام الإدراك أن الحياة سفر قصير مهما تطاول، وأن وراء الحياة رحلة حقيقية إلى عالم الحق الخالد، وأن هذه الرحلة تتطلب زادًا حقيقيًّا من العدل والأمانة والإخلاص والتقوى، وقد عاش الشيخ مدركًا حقيقة هذه الرحلة ومنتظرًا لها في كل لحظة تحين، حتى إذا لاحت لعينيه ساعتها المرتقبة؛ ابتسم ابتسامته الراضية، وقال في لقاء العارف الواصل: الموت حق، وقد ابتسم في هذا الموقف ابتسامة تؤثر عن أسلافه الكبار، ممن قطعوا الطريق خطوة بخطوة حتى شافهوا مشارق الأنوار. لقد كانت عينا عبد الحليم تشعان بوميض ساطع، وكأنهما ترتادان آفاقًا مجهولة وكان الرجل يحدق بهما إلى أبعد الآماد، فتشعر أنه غائب عنك وإن كنت بجواره، ثم تعلو وجهَه ابتسامة خفيفة هادئة، ويلتفت إليك متحدثًا ومسبحته تدور في كفه، فتعلم أن الرحلة الروحية قد انقضت، وأن عين العارف البصير قد قطعت المسافة بين المحجوب النائي والمشاهد المنظور.

أسعد السعداء من يصادق نفسه فيناجيها وتناجيه، ذلك الذي حفر البئر في صدره حتى اهتدى إلى الينبوع الغزير، ولذلك كان الإمام الأكبر يبحث عن أماكن الخلوات الهادئة؛ ليقابل فيها نفسه المطمئنة، وليسعد بمراجعتها في أنس. أحب عبد الحليم الخلوة وجعل يبحث عن مظانِّها، فإذا خرج من الخلوة دعا الشاردين إلى مجالس تقواه، فيفيض عليهم من روحه؛ فمنهم من يدنو ومنهم من يبتعد، ومنهم من يتردد بين البعد والقرب، حتى إذا أدى الشيخ رسالته الروحية، ترك الجموع إلى خلوته التي لا تتسع لسواه، حين ذاك يسبح في تأمله ليكشف ينابيع نفسه، ولِيفيضَ الله عليه من المعاني ما يؤدي دور الإمامة في الهداية، ورسالة المشيخة في الفتوى.

الأستاذ الدكتور/ محمد يحيى، أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة:

في عهد المرحوم الشيخ عبد الحليم محمود - رحمه الله - كان الأزهر نورًا للإسلام ونارًا على أعدائه، وقد جمع الشيخ بين دعوة لإحياء القلوب بالتوبة والرجوع إلى الله، ودعوة لإحياء العقول بالفكر الإسلامي النقي الواعي، الذي كان هو رائده؛ وتحرك بالأزهر إلى قلب الشعب والحياة، فكانت عشرات المعاهد الأزهرية والمساجد والجمعيات، وتزعم الأزهرُ في عهده تطبيقَ الشريعة الإسلامية، ورعاها وزودها بالفكر والدراسات والأبحاث، وإخراج مشروع الدستور الإسلامي، وقانون إسلامي أصيل للأسرة؛ وكرسي الشيخ الذي فقدناه: علمه، ومعه علم العديد من رجالات الأزهر الشرفاء لحرب أعداء الإسلام؛ فإذا الذين زعموا أنهم أصحاب الأفكار التي لا تُقهَر، والفلسفات التي لا يأتيها الباطل، إذا بهم ينكشفون كمجرد عملاء مدفوعي الأجر لقوى كبرى غيرهم بالشعارات وبما يقرؤون، وتنسى تلك القوى أن تفسره لهم، أو تعطيهم العقول اللازمة لشرحه. وانتعشت في ذلك العهد -ومن جرَّاء ذلك الجهد الأزهري- الحركة الإسلامية فكانت النبات الأصيل للأزهر ورجاله كما كانت امتدادًا لكفاح الشعب المصري المسلم وطلائعه من التيارات الإسلامية، وعلى رأسهم حركة الإخوان، وغيرها من حركات النضال والإيمان، ودفع الشيخ عبد الحليم محمود ومعه الأزهر ثمنًا غاليًا جراء هذا التحدي لأعداء الإسلام، من طائفيين وعلمانيين، وقوى داخلية وخارجية مختلفة، فكان أن تعرض الرجلُ في حياته لأبشع هجوم وتشويه، وشتم بذيء منحط، وسخَّرت السلطة - من وراء ستار - مجلة يسارية أسبوعية للهجوم على الرجل، ومن هنا بدأ الحديث عن تلقيه الأموال العربية لبناء المساجد، وكأن بيوت الله جريمة؛ ونسوا مئات الكنائس التي بناها الأنبا شنودة، واستحق لذلك وصف (صاحب النهضة) عند أبنائه، وعند العلمانيين أنفسهم، الذين يطبقون علمانيتهم على الإسلام وحده، وهوجمت سياسة بناء المعاهد الأزهرية، وأخذ وزير التعليم المزمن في تلك الفترة يتحدث عن ضرورة توحيد نظام التعليم في مصر؛ أي: إلغاء التعليم الأزهري، وعندما مات الشيخ عبد الحليم محمود حرمت الجماهير من تشييع جنازته، ومنعت - حتى الآن - أحاديثه الكثيرة من وسائل الإعلام؛ لأنها كانت مؤثرة في إحداث موجة التدين الذي يحاربونه؛ وتحول الأزهر بعده إلى النقيض.

الأستاذ الدكتور/ علي حلوة، الأستاذ بجامعة الأزهر:

كان الإمام محل تقدير واحترام من الناس جميعًا، ومنهم الملوك والحكام، ففي صلاةِ جمعةٍ، وكان يحضرها الرئيس الراحل أنور السادات والعاهل السعودي والإمام عبد الحليم، وأثناء دخول المسجد، انتظر العاهل السعودي الإمامَ ليكونَ هو أول من يدخل المسجد؛ احترامًا وتقديرًا له، ورفض أن يدخل قبل الإمام .

الأديب السعودي الكبير/ إبراهيم هاشم فلالي، في رسالة خاصة بعث بها إلى الإمام الأكبر:

سيدي الجليل فضيلة الدكتور/ عبد الحليم محمود الموقر، تحية طيبة مباركة، إنني يا سيدي من تلامذتكم المجهولين لأنني متتبع ما تكتبونه من بحوث دينيه، وأحاديث في المذياع والتلفاز، وإنني من الذين يحبونكم في الله، ولي عظيمُ الثقةِ فيكم؛ لأنكم أحد قيادات الإصلاح الديني، ولفضيلتكم قدم راسخة في علوم الشريعة الإسلامية، ودراية واسعة بالتصوف والمتصوفين وبحوثهم .

الأستاذ الكبير / خالد محمد خالد:

بالأمس رحل عن الدنيا رجل من الأخيار، رجل اتقى الله وآمن برسوله، فآتاه الله كفلين من رحمته، وجعل له نورًا يمشي به، كالأنفاس الطاهرة الهادئة والنسمات الوادعة في صمته وصوته وجميع سمته، كان وَفِيَّ السير على هذا الطريق، غير ملقٍ بالَه لنقد الناقدين ولوم اللائمين، لم تكن له شخصيتان؛ بل شخصية واحدة، اتسقت اتساقًا باهرًا مع نور الشريعة والحقيقة معًا، وكان يذكر - كلما ذكر - الإخلاص والطهر والتقى؛ ذلكم هو الإمام الأكبر عبد الحليم محمود.

 عاش حياته متبتلًا مخبتًا أوَّابًا، وكان يحمل كل خصائص العلماء الذين كتب لهم أن يكونوا للناس قدوة وأمة وروَّادًا.

كان للمتقين إمامًا (عبد الحليم محمود) اسم عظيم لرجل عظيم .. رجل شرف به الإسلام كواحد من أبنائه وعلم من أعلامه .

الدكتور / محمد عبد الرحمن بيصار، شيخ الأزهر الأسبق:

كان سريع التحرك بوجدانه إلى ما ينبغي أن يكون عندما يطرأ أمر أو تزحف حادثة من أحداث الحياة، وكانت حركته بوجدان صافٍ وفكرٍ مدرك وصفاء نفس عميق، وما ذكرت يومًا أنه غضب عندما غضبت، أو انفعل عندما خولف في الرأي؛ كان يبدد الغضب ويصرف الانفعال بابتسامة رقيقة ترتسم على شفتيه، معبرةً عن معنًى دقيق من الأخوة والصفاء، وراءها فيض جارف من العواطف الأخوية، والعبارات الشفافة الملطفة، التي تبدد كل غيم وتوضح كل لبس.

الأستاذ/ نصر عبد الغفور:

فزعت مصر ورُوع المسلمون وجزع الشرق حين نعى الناعي الرجل العظيم، إمام المسلمين الأكبر، وقائد المسيرة القرآنية، وزعيم علماء العصر بلا منازع، وما كان الجزع والترويع والفزع لموت الفقيد الكريم؛ فالموت حق على الجميع، فلقد مات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم؛ ولكن مظاهر الحزن والفزع كانت للمعاني التي يمثلها الإمام الراحل في حياته، كان -يرحمه الله ويطيب ثراه- رجلًا بكل ما تحمله كلمة الرجولة من معانٍ. كان بطلًا تنحني أمامه الهامات وكان صاحب رسالة آمن بها وناضل من أجلها، حتى وافته المنية وهو أشد ما يكون حرصًا على الحركة والنشاط ودقة الأداء.

فكر متدفق .. إيمان عميق .. ثقة زائدة لا حدود لها، يهز الرأي العام والعالم الإسلامي بكلماته القوية، يخاطب الملوك والوزراء وأهل الرأي في أنحاء العالم، يطالبهم برعاية الدعوة الإسلامية ودعمها وتقويتها، ولقد قاد الأزهر منذ إنشائه مئاتٌ من شيوخ الأزهر، وأشهد أن عبد الحليم محمود سجل في التاريخِ صفحات من أنصع وأعظم الصفحات، وأنه يعد بين شيوخ الأزهر السابقين من أكثرهم علمًا وأشدهم تأثيرًا وسيذكر له التاريخ جهده وجهاده ونضاله وسيبقى الذكر للأبد.

العلامة الدكتور / سيد حسين نصر

هو المرجع الشرعي وشيخ الأزهر والمتصوف العالم في الطريقة الشاذلية، الذي أقام مسجدًا للعارف بالله: ابن عطاء الله السكندري عند سفح هضبة المقطم، وهو الذي تلقى قسطًا من دراسته في الغرب، كما أنه أتقن اللغة الفرنسية وأمعن في الاطلاع على فكر الغرب وثقافته.

و يقول في موضع آخر: العلامة الفقيه الصوفي المسلم المصري الشيخ عبد الحليم محمود، الذي ما تزال رسالته حية في قلوب وعقول الكثير من المصريين.

الأستاذ علي عبد العظيم

ما رأيت ذكاء في صفاء ولا صمتًا في بيان ولا علمًا في تواضع ولا جلالًا في تسامح كما رأيته في الشيخ الإمام؛ تخلق بالأخلاق القرآنية، وتمسك بالآداب الصوفية، وعاش مع الناس في حياتهم العادية، وإن كان بعيدًا عنهم في سبحاته الروحية، يطيل الصمت إلا عن ذكر الله، ويكثر التأمل ويطيل التفكير، وهو مع هذا يجيد الاستماع حيث تدور من حوله المجادلات، وتصطدم الآراء وتتشعب الأفكار وهو صامت، فإذا تحدث جاء بالقول الفصل، والكلام الجزل، والحجة القاطعة، في أوجز بيان وأحكم أسلوب، فإذا لج المجادلون في المراء تركهم وما يشاءون، وعاد إلى صمته المهيب، مشغولًا بالذكر أو بالفكر أو بالدعاء، امتاز بعفة اللسان، والتسامي واللغو والقصد في الحديث، كما امتاز بمحبة الصالحين، والسعي إليهم أحياء، وأضرحتهم أمواتًا، ودراسة أثارهم العلمية والسلوكية الباقية، فهو يعيش أبدًا في جوهم العبق، وحياتهم النقية المشعة بالصفاء، وفي الأزمات يتجلى فيه مضاء العزيمة، وجودة الرأي، وسرعة البديهة، وقوة الصبر والمصابرة، وطول الأناة في أدب جم وتواضع كبير، يزينه الوقار والجلال، وتراه في تواضعه وهدوئه كالبحر الساجي، فإذا عاشرته وخبرته وجدت تحت هدوئه أمواجًا دافقة، وتيارات صاخبة، وأعناقًا غائرة، وجلالًا مهيبًا، وقلما يثور، إلا إذا رأى ما يمس حرمات الله، أو ينال من شرعه القويم، وحينئذ تصخب أمواجه، وتفور تياراته، وتعصف أجوائه، وتتفجر فيه الزلازل والبراكين، ثم لا يلبث أن يعود للهدوء والصفاء، وقد لقي من العداوات والضغائن والأحقاد –ممن أحسن إليهم – ما يثير أحلم الحلماء، ولكنه ترفع بصوفيته عن الأحقاد والضغائن، وسما بروحانياته إلى عالم الصفاء والنقاء، ومع إقبال الدنيا عليه فإنها لم تستبعده ولم تفتنه، فكان سخي اليد لا تدري يمينه ما تنفق شماله، فكم جاد بالأموال على الجمعيات الخيرية، وعلى جهات البر وعلى المُعْدَمين في تستر وخفاء، وقد يختلف معه الباحثون في بعض الآراء ولكنهم يجمعون جميعًا على احترامه وتقديره ومحبته.

 وفاته:

 بعد عودة الشيخ الإمام عبد الحليم محمود من رحلة الحج في 16 من ذي القعدة 1398هـ، الموافق 17 من أكتوبر 1978م قام بإجراء عملية جراحية بالقاهرة فتُوفِّيَ على إثرها، وتلقت الأمة الإسلامية نبأ وفاته بالأسى، وصلى عليه ألوف المسلمين الذين احتشدوا بالجامع الأزهر ليشيعوه إلى مثواه الأخير، تاركًا تُرَاثًا فِكْرِيًّا زَاخِرًا، ما زال يعاد نشره وطباعته.

مصادر ترجمته:

- الحمد لله هذه حياتي، تأليف: الإمام الأكبر عبد الحليم محمود.

- المدرسة الشاذلية، تأليف: الإمام الأكبر عبد الحليم محمود.

- قضية التصوف: المنقذ من الضلال، الإمام الأكبر عبد الحليم محمود.


التقييم الحالي
بناء على 74 آراء
أضف إلى
أضف تعليق
الاسم *
البريد الإلكتروني*
عنوان التعليق*
التعليق*
تعليقات الزوار
ساعية راجية عفو ربى
07-03-2011
حقا شيخا للاسلام رحمه الله ورضى عنه جل جلاله ورضى عن آل بيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
معاذ محمد جمال الدين هاشم
07-12-2011
رحم الله امام الاسلام ورحم الله كل من حافظ على الازهر من ائمه وعلماء
البحث